أحمد بن أعثم الكوفي

237

الفتوح

فلينتدب له منكم أهل الجنة والجهاد وطلاب الأجر والثواب ، فإن ترك المجاهدة المستحق للجهاد نقص في الدين مع الذل والصغار . قال : فلم يجبه أحد منهم بشيء ، فقال لهم علي : ما لكم لا تردون جوابا ولا ترجعون قولا ؟ أدعوكم إلى جهاد عدوكم سرا وجهرا فلم يزدكم دعائي إلا فرار ، أتتناشدون الأشعار وتتسلون عن الأسفار ؟ تربت يداكم لقد نسيتم الحرب والاستعداد لها فأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها . قال : فلم يجبه أحد منهم بشيء ، فقال : أوليس من العجب أن معاوية يأمر فيطاع ويدعو فيجاب ، وآمركم فتخالفون وأدعوكم فلا تجيبون ، ذهب والله أولو النهى والفضل والتقى الذين كانوا ( 1 ) يقولون فيصدقون ويدعون فيجيبون ويلقون عدوهم فيصبرون ، وبقيت في حثالة قوم لا ينتفعون بموعظة ولا يفكرون في عاقبة ، لقد هممت أن أشخص عنكم فلا أطلب نصركم ما اختلف الجديدان ( 2 ) ، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم وكأني بكم وقد ولاكم من بعدي من يحرمكم عطاءكم ويسومكم سوء العذاب ، والله المستعان وعليه التكلان . فلما فرغ علي رضي الله عنه ونظر أنه ليس يجيبه أحد انصرف إلى منزله . خطبة ثانية قال : فلما كان من الغد عاد إلى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( 3 ) : أيها الناس ! والله لقد خشيت أن ( 4 ) يدال هؤلاء القوم منكم لمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم ، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ، استعملت فلانا ففعل ذلك ، ولو ائتمنت أحدكم على قدح ( 5 ) لخشيت أن يذهب بعلاقته ، أيها الناس ! استعدوا للجهاد في عدوكم الذي قد شن عليكم الغارات في كل وجه ليلا ونهارا ، وذروا التثاقل والصمم ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) ( 6 ) . قال : فما أجابه أحد منهم بشيء ، فقال علي كرم الله وجهه : إني قد كرهتهم

--> ( 1 ) في كتاب الغارات : كانوا يلقون فيصدقون ، ويقولون فيعدلون ، ويدعون فيجيبون . ( 2 ) الجديدان : الليل ونهار . ( 3 ) نهج البلاغة خطبة رقم 25 . ( 4 ) نهج البلاغة : ان هؤلاء القوم سيدالون منكم . ( 5 ) نهج البلاغة : قعب . ( 6 ) سورة الأنفال ، الآية 22 .